أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

125

شرح مقامات الحريري

المقامة الثانية والعشرون وهي الفراتيّة حكى الحارث بن همام قال : أويت في بعض الفترات ، إلى سقي الفرات ، فلقيت بها كتّابا أبرع من بني الفرات ، وأعذب أخلاقا من الماء الفرات . فأطفت بهم لتهذّبهم ، لا لذهبهم ، وكاثرتهم لأدبهم ، لا لمآدبهم . فجالست منهم أضراب قعقاع بن شور ، ووصلت بهم إلى الكور بعد الحور ؛ حتّى إنّهم أشركوني في المربع والمرتع ، وأحلّوني محلّ الأنملة من الإصبع . واتخذوني ابن أنسهم عند الولاية والعزل ، وخازن سرّهم في الجدّ والهزل . * * * أويت ، أي ملت وانضممت . الفترات : جمع فترة ، وهي الهدنة والسكون ؛ فكأنه قال : مشيت في بعض السنين الآمنة . والفترة أيضا : ضعف الأعضاء ، والفترة أيضا ما بين نبيّ ونبيّ . * * * [ سقي الفرات ] وسقي الفرات بلاد يسقيها الفرات ، والفرات نهر يشقّ بلاد الروم وبلاد العراق ، ويقع في البحر الحبشيّ ، وجريانه خمسمائة فرسخ . وقال الرّشاطيّ : ابتداء الفرات وفوّهته من قاليقلا من بلاد إرمينيّة ، ثم يسير إلى منبج من كور قنّسرين إلى سميساط ، ثم إلى ملطية ، ثم إلى كيسوم من أرض الرّقة ، ثم إلى الرّقة وقرقيسيا والرحبة وكور الفرات ، ثم إلى الأنبار ، ثم إلى الكوفة ، ويلتقي مع الدّجلة ما بين واسط والبصرة ، ومنها انصبابها إلى البحر ، وجريانهما من الشمال إلى الجنوب . وقال شيخنا ابن جبير : هذا النهر كاسمه فرات ، وهو من أعذب المياه وأخفّها ، وهو نهر كبير زخّار ، تصعد فيه السفن وتنحدر . وأما سقيه في أحواز بغداد فنبين لك قدره . فذكر أنه عاينه في طريقه من الكوفة إلى بغداد ، وأنه رحل مع أمير الحاجّ من الكوفة يوم السبت .